Event: موقعة الجمل
المهنة: مهندس اتصالات
السن: 29

شارك

كريم محمد محمد عبد السلام بنونة

مهندس كومبيوتر، أب لطفلين عمر ومريم، من أسرة ميسورة الحال، شارك فى المظاهرات منذ انطلاقها يوم الثلاثاء ٢٥ يناير، كغيره من المعارضين للنظام، والمطالبين بإسقاطه، وعندما وصل إلى الميدان قرر ألا يتركه حتى تحقيق مطالب المتظاهرين، كان يمضى كل ليلة فى التحرير، تاركاً طفليه فى منزل أسرته.

بات في يوم الثاني من فبراير 2011 (ليلة موقعة الجمل) فى الميدان وسط المعتصمين، وطبع منشورات ووزعها على المتظاهرين، دعا فيها إلى السلمية وعدم استخدام العنف، أو رد اعتداء المؤيدين للنظام بالاعتداء، والاكتفاء بمنعهم من الدخول إلى الميدان فقط، لم تر عينه النوم حتى أيقظه صديقه ياسر ليصليا سوياً صلاة الفجر، جلساً سوياً وتناولا الإفطار ثم انطلقا فى الميدان يوزعان التمر على المعتصمين حتى تجددت الاشتباكات مرة ثانية، وقف كريم فى الصفوف الأمامية يدافع عن الميدان وبجانبه صديق عمره ياسر، انطلقت رصاصة طائشة تجاهه واستقرت فى صدره، ليسقط شهيداً.

لم يكن كريم ناشطاً سياسياً، إنما هو مواطن عادي، خرج بحثاً عن الحرية، خرج يبحث عن مستقبل جديد لأبنائه يضمن حياة كريمة دون إهانة أو تعذيب فى أقسام الشرطة أو فساد حكومى أو تزوير انتخابات، كما تقول أرملته، التي كانت تنتظر كل يوم مكالمته في المساء يحكى لى فيها عن تفاصيل المظاهرات وكيف قضى ليلته، وما هتفه وما حمله من لافتات.

قال والده عنه في حوار أجراء بعد  استشهاده أنه “كريم لم يكن اسمه فقط، لكنه كان خلقه كريم بالفعل، فلم يكن يبخل على أحد بأي شيء حتى حينما كان صغيرًا وفي صباه، كان إن كانت معه لعبة يهبها لصديقه إن وجد منه رغبة فيها.”

كان كريم يعد لمظاهرات 25 يناير قبلها بما يقارب الشهر كامل عن طريق الفيسبوك، وكان يناشد جموع الشباب النزول والمشاركة والكف عن السلبية.

أما والدته فتقول والدته: “لحظة تنحي حسني مبارك أبكتني كأن كريم توفاً تواً بكيت من الرهبة والاحساس أن حياته ماراحتش هدر..وحشتني يا كريم، وحشتني يا حبيبي. كل يوم بستناك في الحلم ومش بتجيلي، تعالالي في الحلم طمًني عليك وقوللي عامل ايه. أنا كل يوم بكتبلك جوابات وبكلمك زي ماكون شايفاك قصاد عيني. افرح يا كريم، اللي انت عايزه حصل و مصر هتبقى أحسن. ربنا يباركلك في أولادك عشان هيعيشوا في بلد أحسن بسببك. عمر ابنك كل ما يشوف صورتك يهتف: بابا كيمو.. بلادي بلادي.. تحيا مصر”

أما أرملته سارة ابراهيم يسرى بتقول أنها تزوجته كما يقولون من «غرفة الصالون». ولكنها بعد ارتباطها به شعرت بمدى حب الله لها بأن رزقها هذا الزوج الحنون الهاديء الطبع الخلوق. كان متدينا متسامحا يحب الآخر ووصفه زملاؤه بأنه عنده سلام نفسي. كان أصغر إخوته وأقربهم الى والده الذى وصفه بأنه توأم روحه، كان يعتمد على نفسه فكان يعمل أثناء دراسته، تقدم كريم لخطبة سارة وعمره 23 سنة وقدم لها شبكة اشتراها من ماله الخاص كما ساهم فى تجهيز المنزل وتأثيثه. كان إيجابيا فى تصرفاته يرفض النقد لمجرد النقد ولكنه كان يقدم النصيحة للمخطيء ولم يكن يحب اثارة القضايا الخلافية فى أى مجلس، وإنما يحاول التوفيق بين الآراء المختلفة ويقرب وجهات النظر. لم يكن يهوى السياسة ولا ينتمى لأى حزب، ولكنه كان يعتبر أن السكوت مشاركة فى الظلم وكان يؤمن بضرورة قول الحق فى وجه سلطان جائر. فقد كانت لديه قناعة أن النظام هو الذى يبث الفتنة الطائفية ويفرق بين المسلمين والمسيحيين، ليلة (25 يناير) ذهب إلى الميدان ومكث هناك حتى منتصف الليل، وعندما بدأت مطاردة المتظاهرين وإلقاء الغاز المسيل عليهم، اخفاه صاحب محل هواتف محمولة مسيحى، وصمم على محاسبة التاكسى الذى اتى به للمنزل فى صباح اليوم التالي.

خفنا نذهب به للمستشفى حتى لا يقبض عليه وانتظر بالمنزل يومى الاربعاء والخميس ولكنه صمم على النزول مرة اخرى فى جمعة الغضب مع أخيه ولم تكن هناك اتصالات ثم أحضره بعض المتظاهرين وهو فى حالة إعياء شديد ولم ينطق بكلمة حتى توفى بسبب النزيف الداخلى الذى سببه الخرطوش.

يوم وفاته كتب على الفيس بوك «فحتى حين تكون القيامة بعد لحظة، حين تنقطع الحياة الدنيا كلها حتى عندئذ لا يكف الناس عن العمل وعن التطلع للمستقبل. ومن كان فى يده فسيلة فليغرسها.”

كان كريم قد بدأ مشروعا خاصاً به يهدف إلى التدريس بوسائل متطورة كالأيباد الذى كان من أوائل من احضروه فى مصر وصمم برنامجا يشمل المناهج ليتم التواصل بين الطلبة والمدرسين بالمدرسة.

ويحكي عنه ياسر أسعد صديقه الذي كان بجواره وقت إصابته: “كريم كان شخصية ملتزمة وخلوقة، كما كان شخصية “مسجدية” وقلبه كان متعلقًا بالمساجد ومداومًا على المكوث به.”

ويضيف ياسر:”له مواقف عجيبة، في الميدان، عندما علم باقتراب البلطجية قام هو وزوجته بإعداد “شنط طعام” من أجل هؤلاء البلطجية وكانت فلسفته في هذا الأمر بأنه- أي البلطجي– بدلاً من أن يأخذ 50 جنيهًا ليضرب ويقتل أبناء وطنه فمن الأفضل أن يأخذ شنطة “كشنطة رمضان”؛ ولكن دون أن يرتكب تلك الجرائم، فكان يرى أن البلطجي “محتاج” وأن حاجته هي التي دفعته إلى ذلك.

في يوم الجمعة 28 يناير حينما كانوا جالسين في المسجد قبل الصلاة متأهبين للخروج بعد الصلاة للتظاهر،  أصر على أداء صلاة الغائب على أرواح شهداء السويس، وكنا مترددين نظرًا للمخاطر الأمنية إلا أن كريم كان مصرًّا على الصلاة، وتحدى الأمن انتصارا لحقوق الشهداء.

و يقول مختار عمر مدير كريم في العمل: “كريم كان متدينًا لأبعد الحدود، وكان محافظًا على الصلاة بشدة وخاصة في المسجد، حتى إنه كان وهو في العمل ينزل من الشركة ليصلي في المسجد المقابل لها، وكان يتعامل مع كل الناس وخاصة زملائه بوجه بشوش ولين شديد، ولم تكن تخلو معاملاته عامة من الرفق، كما امتاز بنونة بالتواضع الشديد وعدم التمسك بالرأي، والنزول عن رأيه إن رأى فيه الخطأ.” ويضيف: “كريم كان مسئولاً عن فريق عمل بالكامل، وكان يرى في أسلوبه التعاون الكامل معهم؛ حيث كان يتحاور معهم ويستمع إلى أراءهم، وكانت توكل إليه “المهام الصعبة” نظرًا لبراعته الشديدة جدًّا، إضافة إلى أنه كان شخصًا “سهل جدًّا” ، كما كان يخصص وقتًا أكبر من وقته من أجل العبادات والشعائر، كما كان يحث زملاءه على الطاعة دائمًا.

يوم 2 فبراير وقبل وفاته بساعات، مر فى المساء بعد صلاة العشاء على والده ليسلم عليه وصعد إلى زوجته وقرأ معها القرآن.  تم تغيير اسم شارع 9 فى المقطم إلى اسم الشهيد كريم بنونة.