مصطفى أنور.. محب الفقراء والمساجد

لم تكتف قوات الأمن المصرية بقتل المئات من المتظاهرين السلميين في القاهرة، بل طالت أداة القمع العشرات غيرهم ممن انتفضوا بمحافظات مصر المختلفة لإعلان استنكارهم قتل العزل واستهدافهم.

مصطفى أنور (34 سنة) كان من أولئك الذين قتلوا لمجرد خروجهم وإعلانهم موقفا رافضا لما قامت به قوات الجيش والشرطة يوم الرابع عشر من أغسطس/آب 2013، بمحافظته الفيوم.

ترك مصطفى من خلفه طفلين، أكبرهما عبد الرحمن (3 أعوام) والأصغر نور، الذي كان قد أتم عامه الأول بالتزامن مع يوم فض الاعتصام الذي صادف كذلك يوم استشهاد والده.

حضر شقيقه الأكبر محمد فض الاعتصام، وكان على تواصل مستمر مع أخيه مصطفى الذي كانت لديه رغبة ملحة للحاق بالمعتصمين ظنا منه أن الأمور ستستمر هناك، إلا أن شقيقه قال له لا داعي للحضور، فقد تم إخلاء الميدان ولم يعد هناك طائل من التواجد فيه.

في ذلك اليوم، استيقظت والدة مصطفى على مشاهد القتل والحرق التي نقلتها بعض الشاشات، وكانت تبكي لهول ما تراه ولسقوط العديد من الشهداء، فطلب منها ابنها مصطفى عدم البكاء، وقال لها هم شهداء عند الله والشهداء لا يبكى عليهم.

في ذلك اليوم، نظم أهالي محافظة الفيوم مظاهرة حاشدة للتنديد بالمجزرة وكان مصطفى مشاركا فيها، وحين بدء إطلاق الرصاص من القناصة حاول المتظاهرون إقامة متارس وحواجز من الحجارة تحميهم، وخلال مشاركة مصطفى في الأمر، أصابته رصاصة في رأسه.

نقل مصطفى إلى مستشفى الفيوم العام، وظل هناك في العناية المركزة، ولم تفحل محاولات الأطباء استنقاذ حياته، حيث أخبروا أسرته أنه بات في حالة موت سريري، وبالفعل فاضت الروح إلى بارئها ظهر اليوم التالي.

كان مصطفى مخلصا لثورة يناير التي شارك فيها منذ اندلاعها ودعم حراكها في مختلف مراحله، حتى أنه أسمى متجره لبيع المنظفات الذي أقامه في الفيوم، باسم ميدان الثورة الأول “التحرير”

وهب مصطفى حياته للعمل الخيري والمجتمعي، وهي الميزة الأساسية التي كانت تراها زوجته فيه، فهو حسب رأيها، كان ربما يظهر كشخص عادي، إلا أنه كان خدوما لا يتأخر عن قضاء حاجة من يقصده حتى وإن كان عائدا للتو من عمله متعبا.

عن صفاته، يقول صهره عبد الرحمن مصطفى، إنه كان ذا قلب أبيض، صادق في أسلوبه وحديثه وجميع تصرفاته، لا يتذكر له أحد إساءة، كما لم يكن يرد على أحد إساءته، فقد كان ذا صدر رحب.

فبينما يقول صديقه رمضان سنوسي، إنه لم يتسبب يوما في إلحاق الحزن لأهل بيته على وجه خاص، ولأصدقائه ومعارفه على وجه عام مضيفا “كان من الممكن نزعله احنا لكن هو ما يزعلش حد، لأنه كان سهل ولين”.

عرف كذلك بحبه للمسجد وخدمته، حيث كان متكفلا برعاية أحد بيوت الله المجاورة له، ولا يمل من خدمته وخدمة مرتاديه والقيام بشؤونه، ويضحي في سبيل ذلك براحته.

كان مصطفى مبادرا إلى الخير، جريئا في الدفاع عن الحق والوقوف في وجه الظلم وأصاحبه، فمنذ سماعه أنباء القيام بفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة فجر يوم استشهاده، سارع للنزول والمشاركة في المسيرات المنددة بهذه المجزرة، وكان يسعى للحاق بالمعتصمين في الميدان.

حين استأذنته زوجته للنزول والمشاركة في المسيرات، طلب منها الانتظار والمكوث مع الأولاد، كونه قد عقد العزم على السفر إلى القاهرة، والالتحاق بالمتظاهرين فيها، ثم لاحقا سمح لها بالمشاركة حين قرر الانضمام للمتظاهرين في محافظته بعد أن علم أن الاعتصام قد تم فضه بالكامل.

تربى مصطفى في بيت من بيوت القرآن، وقضى جانبا من سنوات عمره في رحاب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يعمل والده بمطبعة المصحف الشريف.

كان مصطفى مضربا للمثل في حب الخير والعطاء والخلق القويم، واشتهر في حيه بأدواره المتتابعة في أعمال البر والخير.

تحفظ له أبواب الفقراء والمحتاجين واليتامى طَرَقَاتِه المميزة من كثرة تردده عليها، حيث كان يغلق دكانه لساعات طوال، يجهد فيها لهذا الغرض، حيث يعبئ المواد التموينية، ويجهزها ويحملها ويقوم بتوزيعها رفقة الصالحين أمثاله على تلك البيوت.

ولذا، فقد بكاه الكثيرون ممن عرفوا تلك السمات والصفات، ومنهم جيران مسيحيون لم يجدوا منه إلا الابتسامة الصافية، والمساهمة في قضاء الحوائج لكل طالب دون تفرقة، الأمر الذي زاد من حنقهم على قاتله، وشارك في جنازته الآلاف من الجيران والمحبين.